الشيخ محمد رشيد رضا

74

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( الحقيقة والشريعة ) بوجهين ، ويعاملهم معاملتين - حاش للّه - نعم جاء في كلام بعض الصوفية ذكر الحقيقة مع الشريعة ، ومرادهم به أن في كلام اللّه ورسوله ما يعلو أفهام العامة بما يشير اليه من دقائق الحكم والمعارف التي لا يعرفها إلا الراسخون في العلم ، فحسب العامة من هذا الوقوف عند ظاهره ، ومن آتاه اللّه بسطة في العلم ففهم منه شيئا أعلى مما تصل اليه أفهام العامة فذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ممن يجد ويجتهد للتزيد من العلم باللّه وسننه في خلقه . فهذا ما يسمونه علم الحقيقة لا سواه ، وليس فيه شيء يخالف الشريعة أو ينافيها ، ومن آتاه اللّه نصيبا من هذا العلم كان أتقى للّه من سواه ( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) ( متأخر والصوفية والفقهاء ) هكذا كان القوم - الصوفية الحقيقيون في طرف ، والفقهاء في طرف آخر ، وبعد ما فسد التصوف وانقلب من حال إلى حال مناقضة لها ، وضعف الفقه فصار مناقشة لفظية في عبارات كتب المتأخرين ، اتفق المتفقهة الجامدون ، والمتصوفة الجاهلون ، وأذعن أولئك إلى هؤلاء واعترفوا لهم بالسر والكرامة ، وسلموا لهم ما يخالف الشرع والعقل على أنه من علم الحقيقة ، فصرت ترى العالم الذي قرأ الكتاب والسنة والفقه يأخذ العهد من رجل جاهل أمي ويرى أنه يوصله إلى اللّه تعالى . فإن كان كتاب اللّه وسنة رسوله وما فهم الأئمة واستنبط الفقهاء منهما - كل ذلك لا يفيد معرفة اللّه تعالى المعبر عنها بالوصول اليه ، فلماذا شرع اللّه هذا الدين ، والناس أغنياء عنه بأمثال هؤلاء الأميين وأشباه الأميين ، وهل القصور إذا فيما نزّل اللّه تعالى أم في بيان الرسول له وبيان الأئمة لما جاء عن اللّه تعالى والرسول ؟ حاش للّه ولكتابه ورسوله ، فلا طريق لمعرفته عز وجل والوصول إلى رضوانه غير ما نزله من البينات والهدى ، وإنما كان غرض الصوفية الصادقين فهم الكتاب والسنة مع التحقق بمعارفهما ، والتخلق والتأدب بادابهما ، وأخذ النفوس بالعمل بهما ، من غير تقليد لأهل الظاهر ، ولا جمود على الظواهر ( موالد الأولياء ومفاسدها ) ولقد تشوهت سيرة مدعي التصوف في هذا الزمان وصارت رسومهم أشبه بالمعاصي والأهواء من رسوم الذين أفسدوا التصوف من قبلهم ، وأظهرها في هذه البلاد الاحتفالات التي يسمونها « الموالد » ومن العجيب أن تبع الفقهاء في